محمد متولي الشعراوي
3190
تفسير الشعراوى
معناه أنك لا تعرف ، ولكن أن تعرف قضية مناقضة للواقع . والجاهل يختلف عن الأمى ، فالأمى هو الذي لا يعرف ، أما الجاهل فهو الذي يعرف قضية مخالفة للواقع ومتشبث بها . « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ » والحق هنا يتساءل : هل يرغبون في الاستمرار بالاعتقاد الخاطىء الجاهل ؟ والأمر مع الأمى - كما عرفنا - يختلف عن الأمر مع الجاهل ؛ لأنه يكفيك أن تقول للأمى العلم الذي تريد تعليمه إياه ويقبله منك ، أما الجاهل فلا بد للتعامل معه من عملين . . الأول أن تجعله يحذف ويستبعد من باله القضية الخاطئة ، والثاني أن تجعله يقتنع بالقضية الصحيحة . والذي يرهق الدعاة إلى الدين هم الجهلة هؤلاء الذين يعتقدون اعتقادا خاطئا يتضمن قضايا باطلة . لكن ماذا إن كانت النسبة مجالا للنفي ومجالا للإثبات ؟ إن كان النفي مساويا للاثبات فهي نسبة شك . وإن غلب الإثبات فهذا ظن . وإن كان النفي راجحا فذلك هو الوهم . وهكذا يتضح لنا أن قضية الجهل قضية صعبة ، والذي يسبب التعب في هذه الدنيا هم الجهلة ؛ لأنهم يعتقدون في قضايا خاطئة . فإذا كان هناك حكم من اللّه . فلماذا لا يرتضون إذن ؟ أيريدون حكم الجاهلية ؟ وكان أهل الكتاب أنفسهم يسفهون حكم الجاهلية . ولنلحظ أن هذا التسفيه كان في زمن المواجهة بين الجاهلية وبين أهل الكتاب . وكانوا يستفتحون على أهل المدينة ومكة . وكثيرا ما قالوا : لقد أظّلنا عهد نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم . ولكن ما إن جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى قالوا العكس ، ماذا قالوا للجاهلين ؟ ها هو ذا الحق يخبرنا بما قالوا : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ( 51 ) ( سورة النساء ) وقد ذهب بعض من أحبار اليهود إلى قريش ، وسألهم بعض من سادة قريش : أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم فأخبرونا عنا وعن محمد . فقال الأحبار :